محمد راغب الطباخ الحلبي
592
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
وبعد أشهر عيّن إلى نظارة الدروس في المدرسة الحربية الإعدادية في ( أدرنة ) ، فأحب أحمد فيضي باشا أن يقنعه بالبقاء معه ووعده بترقيته بوقت قريب إلى رتبة عالية ، فاعتذر منه ورجاه أن لا يكون حائلا دون نقله إلى ( أدرنة ) فغادر البلاد اليمانية ودخل القاهرة متنكرا ، وهناك اجتمع مع بعض العارفين . ثم أتى إلى حلب لزيارة أهله وإخوته ، فبقي شهرا ثم سافر إلى أدرنة ، فبقي فيها مدة وجيزة ، وهناك رفّع إلى رتبة ( قائمقام ) . وكانت النار تشتعل شيئا فشيئا في البلقان تحت الرماد ، والمذاكرات الدولية تجري في العواصم الأوروبية بصورة خفية في أمر البلقان وتقسيم الدولة العثمانية ، وكان ضباط الأتراك والأمراء في الجيوش العثمانية يراقبون تلك المذاكرات والمقابلات الدولية عن بعد بأنواع الوسائل ويدركون نتائجها الوخيمة ، فبادروا لإعلان الدستور رغم إرادة السلطان عبد الحميد وحواشيه . فبعد إعلانه بزمن قليل دعي المترجم إلى نظارة الحربية ، وكان الناظر إذ ذاك المشير علي رضا باشا ورئيس الأركان الحربية عزة باشا اللذين كانا حوصرا في صنعاء معا ، فشرع مع لجنة خاصة بتنظيم القوانين العسكرية وتجديدها حسبما تقضيه الترقيات العسكرية وتتطلبه الأوقات الحاضرة وإرسالها إلى مجلس المبعوثين والأعيان للتصديق عليها . وكانت الدسائس الأجنبية تلعب أدوارها ، وتنثر تلك الدول الذهب الوهاج إلى الجمعيات السرية والعلنية المتشكلة في الآستانة والبلقان وكثير من البلدان من جهة ، والسلطان عبد الحميد وحواشيه يوغرون صدور الأمراء والضباط الذين حرموا وظائفهم وفقدوا نفوذهم وغطرستهم ، وقد كان أكثرهم من [ الآلايجية ] أي غير المأذونين من المدارس العسكرية ، فكان نتيجة ذلك حصول فتنة 31 مارت سنة 1325 ، وصارت بها الآستانة شعلة نار . وقد بسطت هذه الحادثة الجرائد في حينها ودونت في الكتب . وكانت في تلك الأيام العصيبة جماعة مدفوعون من قبل الجمعيات المتشكلة ضد الحكومة الدستورية يأتون إلى أبواب منازل الاتحاديين ويضعون إشارة عليها بالفحم أو بالتباشير ليرسل إليهم ليلا أناس يغتالونهم . ففي بعض الأيام وجد المترجم تلك الإشارة على باب منزله في ( كدك باشا ) فاستقصى الأمر فأدرك المغزى ، فغادر المنزل إلى أقسراي فاختفى في دار امرأة عجوزة مدة إلى أن حضر محمود شوكت باشا إلى الآستانة بجيوشه